فخر الدين الرازي

335

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم سورة الرحمن خمسون وخمس آيات مكية [ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 1 إلى 4 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الرَّحْمنُ ( 1 ) عَلَّمَ الْقُرْآنَ ( 2 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ ( 3 ) عَلَّمَهُ الْبَيانَ ( 4 ) [ في قوله تعالى الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ ] اعلم أولا أن مناسبة هذه السورة لما قبلها بوجهين أحدهما : أن اللَّه تعالى افتتح السورة المتقدمة بذكر معجزة تدل على العزة والجبروت والهيبة وهو انشقاق القمر ، فإن من يقدر على شق القمر يقدر على هد الجبال وقد الرجال ، وافتتح هذه السورة بذكر معجزة تدل على الرحمة والرحموت وهو القرآن الكريم ، فإن شفاء القلوب بالصفاء عن الذنوب ثانيهما : أنه تعالى ذكر في السورة المتقدمة : فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ * [ القمر : 16 ] غير مرة ، وذكر في السورة : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ * [ الرحمن : 13 ] مرة بعد مرة لما بينا أن تلك السورة سورة إظهار الهيبة ، وهذه السورة سورة إظهار الرحمة ، ثم إن أول هذه السورة مناسب لآخر ما قبلها حيث قال في آخر تلك السورة : عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [ القمر : 55 ] ، والاقتدار إشارة إلى الهيبة والعظمة وقال هاهنا : الرَّحْمنُ أي عزيز شديد منتقم مقتدر بالنسبة إلى الكفار والفجار ، رحمن منعم غافر للأبرار . ثم في التفسير مسائل : المسألة الأولى : في لفظ الرَّحْمنُ أبحاث ، ولا يتبين بعضها إلا بعد البحث في كلمة اللَّه فنقول : المبحث الأول : من الناس من يقول : إن اللَّه مع الألف واللام اسم علم لموجد الممكنات وعلى هذا فمنهم من قال : الرَّحْمنُ أيضا اسم علم له وتمسك بقوله تعالى : قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى [ الإسراء : 110 ] أي أيا ما منهما ، وجوز بعضهم قول القائل : يا الرحمن كما يجوز يا اللَّه وتمسك بالآية وكل هذا ضعيف وبعضها أضعف من بعض ، أما قوله : اللَّه مع الألف واللام اسم علم ففيه بعض الضعف وذلك لأنه لو كان كذلك لكانت الهمزة فيه أصلية ، فلا يجوز أن تجعل وصلية ، وكان يجب أن يقال : خلق اللَّه كما يقال : علم أحمد وفهم إسماعيل ، بل الحق فيه أحد القولين : إما أن نقول : إله أو لاه اسم لموجد الممكنات اسم علم ، ثم استعمل مع الألف واللام كما في الفضل والعباس والحسن والخليل ، وعلى هذا فمن